بعد يوم شاق أثقلته الدراسة والأعمال المنزلية التي لا تنتهي أويت أخيرا إلى فراشي المكان الذي كنت أحلم به طوال النهار.
بدت وسادتي كأنها تناديني من بعيد حتى إنني فور استلقائي ورغم شعوري بالعطش لم أستطع النهوض لأحضر قارورة ماء من المطبخ. تركت جسدي يستسلم للتعب وبدأت أفكاري تجول في رأسي.
هل سأبقى طوال حياتي أسيرة هذا الروتين الممل؟ لماذا لا يحدث لي شيء مختلف؟ كل يوم يشبه الذي قبله أذهب إلى الكلية ثم أعود إلى البيت وأنتظر اليوم التالي ليبدأ بالطريقة نفسها. كم تمنيت أن أسافر وأجوب العالم وأكتشف أماكن جديدة ولو لمرة واحدة فقط.
وبينما كانت أفكاري تأخذني بعيدًا شعرت بتنميل خفيف في أطرافي. بدأ النعاس يثقل جفوني وسرى في جسدي استرخاء غريب. أخذت عيناي تنغلقان ببطء وكأن جسدي كله نام إلا عقلي الذي بقي يقظًا للحظات.
هدأت أفكاري ثم سمعت طنينا حادا في أذني كأن صافرة إنذار انطلقت قرب رأسي.
فتحت عيني بفزع وهنا كانت الصدمة!
كنت أطفو في الهواء قرب سقف الغرفة وأنظر إلى جسدي النائم على السرير. كانت الغرفة كما تركتها ملابس الغد مطوية فوق الكرسي وهاتفي موصول بالشاحن أمامي.
حدقت في نفسي طويلا،كيف يمكن أن يحدث هذا؟
اختلط الخوف بالذهول. هل مت؟ هل أصبحت شبحا؟ لم أكن أؤمن يومًا بالأشياء التي لا يمكن تفسيرها. حاولت إقناع نفسي بأن الأمر مجرد حلم سببه الإرهاق لكن كل شيء كان واضحًا أكثر مما ينبغي.
بقيت معلقة في الهواء للحظات عاجزة عن الحركة ثم قررت الذهاب إلى غرفة أمي.
كان الضوء ما يزال مشتعلا. وجدتها مستلقية على سريرها تمسك هاتفها بيد واحدة. حاولت أن أصرخ وأن ألفت انتباهها لكنها لم ترفع رأسها.
ماما!
كررت النداء أكثر من مرة لكنها لم تسمعني. اقتربت منها فرأيتها تراسل أبي الذي كان خارج المدينة بسبب عمله.
كتبت:
لا تنس عيد ميلاد ابنتك عند عودتك.
جاء رد أبي بعد لحظات: هل تحدثت معها عما تريده كهدية؟
فأجابت أمي:
قالت لي مرة إنها تريد كتابًا بعنوان الخيميائي. إذا وجدته فأحضره لها مفاجأة. أنا متأكدة أنها ستفرح به.
شعرت بشيء يؤلمني في صدري رغم أنني لم أعد متأكدة إن كان لدي جسد أصلًا نعم كنت سأفرح لو بقيت حية حتى أستلمه.
حين فقدت الأمل في أن تراني أمي اتجهت نحو النافذة. لم ألمسها لكنها انفتحت أمامي كأن الهواء أفسح لي الطريق.
خرجت إلى بلدتي. كان منظرها من الأعلى مختلفًا تمامًا. بدت ساكنة تحت ظلام الليل هادئة على نحو لم أره من قبل. حاولت أن أنادي أي شخص أجده في الطريق لكن بلا فائدة. كنت مخفية عن الجميع.
وحين مللت من المحاولات ارتفعت بين الغيوم حتى وصلت إلى حديقة اعتدت الجلوس فيها في صغري. كانت الحديقة نفسها لكن ألوانها بدت باهتة وغريبة كأنها نسخة قديمة من مكان أعرفه.
استلقيت فوق العشب وفي رأسي ألف سؤال.
وبينما كنت تائهة في أفكاري رأيت ظلًا يقترب مني. رفعت رأسي فوجدت رجلًا شابًا داكن الشعر أبيض البشرة بعينين زرقاوين فيهما لمعة غريبة.
ظننت أنه لن يلاحظني مثل الجميع لكنه ابتسم وقال:
لماذا تضيعين هذا الوقت الفريد بالاستلقاء هنا فقط؟
تجمدت في مكاني.
أكمل وهو ينظر إلي بثبات:
كنت أراقبك وأنت تجولين في مدينتك وتحاولين التحدث إلى الناس دون فائدة ثم أتيت إلى هنا واستلقيت ببساطة.
قلت بفزع:
هل تراني؟ من أنت؟ ما الذي يحدث لي؟ هل أنت أيضًا شبح؟
ضحك بخفة وقال:
شبح؟ هل تؤمنين بالأشباح؟
قلت بانفعال:
إذا كيف تستطيع رؤيتي والتحدث معي على عكس الآخرين؟
صمت قليلا ثم قال:هذه ليست رحلتي الأولى لكنها أول مرة لا أكون فيها وحدي.
مد يده نحوي وأضاف:
تعالي معي وسأريك.
ترددت لكنني فكرت إن كنت قد أصبحت شبحًا فعلًا فما الذي سأخسره؟ فوافقت.
بدأنا نرتفع في السماء ثم هبطنا في حديقة أخرى. غضبت وقلت:
أخذتني من مكاني لتعيدني إلى حديقة أخرى؟
قال بهدوء:
اجلسي وسأشرح لك.
جلست فوق العشب فقال:
أغمضي عينيك وفكري في مكان تودين زيارته. تخيلي كل تفاصيله.
لطالما حلمت بزيارة باريس والجلوس في أحد مقاهيها ورؤية برج إيفل. أغمضت عيني واستدعيت صورة المدينة الطاولات الصغيرة ورائحة القهوة والأضواء البعيدة.
حين فتحت عيني بدأت ألوان الحديقة تتغير. ظهرت الكراسي والطاولات أمامي وكلما ركزت على تفصيلة صارت أوضح حتى اختفت الحديقة تمامًا.
كنا في باريس.
سألته مذهولة:
ما الذي حدث؟ هل كل هذا في مخيلتي؟
قال:
وإذا كان في مخيلتك فهل يعني ذلك أنه غير حقيقي؟ جسدك لم يغادر غرفتك لكن الجزء الذي يفكر ويخاف ويحلم هو الذي خرج الليلة. يمكننا أن نذهب حيث تصل أفكارنا.
قاطعته:
هل تقصد خروجا من الجسد؟ وماذا لو لم نستطع العودة؟
ابتسم وقال:
لا تخافي من عدم الرجوع إلى عالمك وجسدك بل خافي من أن تكون هذه التجربة آخر رحلة لك.
ثم سألني:
هل هناك شخص تريدين الاطمئنان عليه؟
قلت:
أبي إنه في سفر.
قال:
استحضري صورته في مخيلتك.
بدأت أستحضر ملامح أبي فتداخلت الأصوات وتغير المكان من حولنا. اختفت باريس ووجدت نفسي في غرفة قديمة فيها سرير. كان هناك شخص نائم لكن الضباب كان كثيفًا ولم أستطع التأكد إن كان أبي.
استدرت لأكلم الرجل لكنه اختفى.
فجأة عاد الطنين أقوى من قبل حتى أغلقت عيني.
عندما فتحتهما كنت في غرفتي وأمي تناديني من الخارج لأشرب قهوتي.
جلست في سريري وأنا ألتقط أنفاسي.
يا له من حلم غريب.
مرت الأيام وحاولت إقناع نفسي بأن ما حدث لم يكن أكثر من حلم سببه الإرهاق. لكنني لم أنس عيني الرجل الزرقاوين ولا صوته حين قال إن هذه قد تكون آخر رحلة لي.
وفي يوم عيد ميلادي عاد أبي من سفره. احتضنني طويلًا ثم أخرج من حقيبته هدية مغلفة ومدها إلي.
عيد ميلاد سعيد يا ابنتي.
فتحت الهدية ببطء.
كان كتاب الخيميائي.
تجمدت في مكاني. لم يكن الكتاب غريبا علي فقد رأيت أمي تكتب لأبي عنه حين كنت أطفو فوقها في تلك الليلة.
نظر أبي إلي بقلق وقال:يبدو أن الهدية لم تعجبك. أمك أكدت لي أنك تريدين هذا الكتاب.
ابتسمت رغم ارتجاف يدي
لا أنا سعيدة جدا. شكرا يا أبي.
مرت أشهر وعادت حياتي إلى روتينها لكن شيئا في داخلي تغير. كأن تلك الليلة أيقظت رغبة قديمة كنت أخفيها دائمًا الرغبة في السفر ورؤية العالم بدل الاكتفاء بتخيله من نافذة غرفتي.
وفي النهاية قررت أن أسافر. فنحن نعيش مرة واحدة ولا ينبغي أن نترك الخوف يمنعنا من اكتشاف ما نريده حقًا.
عندما وصلت إلى المطار كان المكان مزدحمًا بأصوات الحقائب والمسافرين. وبينما كنت أبحث في حقيبتي عن جواز سفري سقط كتاب الخيميائي من يدي على الأرض ،انحنيت بسرعة لألتقطه وفي اللحظة نفسها امتدت يد أخرى نحوه.
رفعت رأسي.
تجمدت.
كانت عينان زرقاوان تنظران إلي وفيهما تلك اللمعة نفسها التي لم أنسها.
كان هو.
ناولني الكتاب ببطء ثم قال بصوت هادئ:
يبدو أنك تحبين الرحلات المثيرة.
حاولت أن أسأله من يكون وكيف وصل إلى هنا لكن الكلمات علقت في حلقي.
ابتسم للمرة الأخيرة ثم استدار واختفى بين المسافرين قبل أن أقول أي شيء.
بقيت واقفة في وسط المطار أضم الكتاب إلى صدري وأتساءل:
هل كانت تلك الليلة حلما فعلا أم أنها كانت بداية رحلة لم تنته بعد؟
