لوحة بلا ملامح
قصة قصيرة · دراما

لوحة بلا ملامح

S
بقلم Silar bou
2010مكتملمجاني

يقال إن الفن يجسد الواقع، لكن ماذا لو كان الواقع هو من يذعن للفن؟ في مرسم مظلم تفوح منه رائحة الألوان، يكتشف رسام أن خطوط ريشته ليست مجرد حبر على قماش، بل هي أقدار تُكتب بالدم والدموع. حين يتحول الشغف إلى لعنة تلتهم أقرب الناس إلى قلبه، يصبح الندم دافعاً لمحو الذات. فهل يمكن لضربة ريشة غاضبة أن تمحو الوجود؟ قصة تراجيدية تفصل بين الملامح والعدم

يقال إن الفن يجسد الواقع، لكن ماذا لو كان الواقع هو من يذعن للفن؟ في مرسم مظلم تفوح منه رائحة الألوان، يكتشف رسام أن خطوط ريشته ليست مجرد حبر على قماش، بل هي أقدار تُكتب بالدم والدموع. حين يتحول الشغف إلى لعنة تلتهم أقرب الناس إلى قلبه، يصبح الندم دافعاً لمحو الذات. فهل يمكن لضربة ريشة غاضبة أن تمحو الوجود؟ قصة تراجيدية تفصل بين الملامح والعدم.

____

​لوحة بلا ملامح:

​كانت رائحة التربنتين وزيت الكتان تملأ مرسم إدوارد الصغير، حيث تتزاحم اللوحات على الجدران كوجوه صامتة تراقب المكان في عتمة الليل. إدوارد لم يكن يطمح يوماً للشهرة، ولم يكن يبحث عن الأضواء؛ كان مجرد شاب بسيط، يجد عزاءه الوحيد وهروبه من صخب العالم في مزج الألوان وتفريغ مشاعره على القماش الأبيض. لكن كل شيء في حياته الهادئة انقلب إلى كابوس مظلم في ذلك المساء الخريفي الراكد.

​قبل أسبوع من ذلك اليوم، زاره صديقه المقرب "توماس" في المرسم، وكان يبدو مجهداً وقلقاً. بعد أن غادر توماس، شعر إدوارد برغبة عارمة في الرسم، فأمسك ريشته وراح يخط بورتريه لصديقه من الذاكرة. وبلا وعي منه، تعمقت الخطوط تحت عيني توماس في اللوحة، وبدت ملامحه غارقة في حزن كئيب. لم يعر إدوارد الأمر اهتماماً وقتها، واعتبره مجرد انعكاس لمهارته. لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما التقى بتوماس مجدداً بعد أيام؛ لقد كان صديقه نسخة طبق الأصل من تلك اللوحة، بعد أن واجه أزمة عائلية حادة جعلت وجهه شاحباً ومنكسراً تماماً كما رُسم.

​سرت قشعريرة باردة في جسد إدوارد، وتملكته حيرة ممزوجة بالخوف. هل يمكن أن تكون ضربات ريشته العفوية... هي من تصنع أقدار الناس؟

​أراد إدوارد أن يتناسى هذا الشك المرعب، فقرر أن يرسم شيئاً يبعث على البهجة. وضع لوحة جديدة وبدأ يرسم ملامح حبيبته؛ وجهها الرقيق، عينيها اللامعتين، وابتسامتها التي كانت تضيء عتمة أيامه. وبينما كان يضع اللمسات الأخيرة، تحركت يده فجأة بغير قصد، ليدفع علبة الألوان الزيتية الحمراء الكثيفة، فانسكبت بغزارة فوق وجه حبيبته في اللوحة. تلطخ الوجه الجميل باللون الأحمر القاني، وبدا للوهلة الأولى وكأنه مغطى بالدماء. شعر إدوارد بانقباض في صدره، وحاول مسح اللون لكنه تغلغل في القماش، فترك اللوحة جانباً وهو يشعر بضيق غريب.

​مرت ساعات قليلة، وقطع هدوء المرسم رنين هاتف إدوارد المفاجئ. كان الاتصال من المستشفى. أخبره صوت الطبيب الجاد والمستعجل أن حبيبته تعرضت لحادث سيارة مروع. هرع إدوارد إلى المستشفى وقلبه يكاد يتوقف من الرعب. وعندما سمحوا له برؤيتها، جمدت الدماء في عروقه؛ كان وجهها مغطى بالكامل بالضمادات والدم، ولما أزال الأطباء جزءاً منها، رأى تشوهات وحروقاً بالغة جعلت وجهها يحاكي تماماً تلك البقعة الحمراء الكثيفة التي انسكبت على لوحته.

​سكنت الندامة قلب إدوارد، وأصبح يرى نفسه قاتلاً ومجرماً، فهو السبب في هذه المأساة. لكن الكارثة لم تتوقف هنا؛ فبعد أيام قليلة من خروجها، لم تتحمل حبيبته العيش بوجهها الجديد المشوه، ولم تقو على تقبل مظهرها في المرآة، فأنهت حياتها وانتحرت تاركة وراءها قلباً محطماً لا يرحمه الذنب.

​أصبح مرسم إدوارد أشبه بالمقبرة. اعتزل العالم، وغارت عيناه وشحب وجهه جراء السهر والبكاء المستمر. في ليلة عاصفة وشديدة البرودة، وبينما كانت الرياح تطرق النوافذ بعنف، لم يحتمل إدوارد العيش مع هذا الذنب القاتل. تذكر حبيبته وضحكتها، وتذكر كيف دمر حياتها بريشته اللعينة. انتابته نوبة غضب وعجز عارمة، فامتدت يده إلى لوحاته الشخصية في وقت سابق، وبكل ما أوتي من قهر، خبط علب الألوان على ملامحه في اللوحة، ثم أخذ الفرشاة الكبيرة وجهه تماماً بضربات عشوائية عنيفة حتى اختفت التفاصيل وصارت البقعة سوداء وبيضاء ممسوحة.

​ترك إدوارد المرسم دون أن يعير الأمر أهمية، فقد كان عقله غارقاً في الحزن. رمى بجسده المنهك على السرير محاولاً الهروب بالنوم. لكن في منتصف الليل، استيقظ فجأة وشعر ببرودة غريبة تسري في وجهه، وكأن جلده قد تيبس. نهض بخطوات ثقيلة متوجهاً نحو الحمام لغسل وجهه بالماء البارد.

​عندما رفع رأسه والتقت عيناه بالمرآة المعلقة، تجمد مكانه وسقطت منه صيحة صامتة....

التعليقات (1)

سجّل دخول للتعليق
  • Godi
    Godi· 18‏/6‏/2026

    أين التكملة شوقتني

مشاركة:
مركز الدعم
كيف يمكننا مساعدتك؟

اختر نوع المساعدة: